ابن عجيبة

159

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : هذه المقالة صدرت من بعض اليهود والمشركين ، قالوا ذلك تعنتا وعنادا ، لا طلبا لليقين ، فلذلك نفى الله عنهم العلم رأسا ، والمقصود في هذه الآيات كلها توبيخ اليهود . يقول الحق جل جلاله : وَقالَ الَّذِينَ لا علم عندهم : هلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ حتى نسمع منه أنك رسوله ، أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ ظاهرة ، نراها جهرة تدل على رسالتك ، كما كانت لموسى - عليه السّلام - . وهذه المقالة التي صدرت من اليهود ، تعنتا وعنادا ، قد صدرت ممن قبلهم من أسلافهم ، فقالوا : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ، ومن النصارى فقالوا : هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ، ومن المشركين فقالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً ، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً الآية . فقد تماثلت قلوبهم في الكفر والعناد ، وتشابهت في العتو والفساد ، قد أوضحنا لك الآيات البينات ، تحقق رسالتك وتقرر اصطفائيتك ، لمن طلب مزيد الإيقان ، وكشف البيان على نعت العيان ، فأعظمها القرآن ، ثم ما أوضحته من شرائع الأحكام ، وما بينته من الحلال والحرام ، ثم ما أخبرت به من الغيوب ، وما كشفته عن القلوب من الكروب ، ثم نطق الجمادات والأحجار ، كحنين الجذع وانقياد الأشجار ، وتسبيح الحصى ، وتسليم الحجر ، وقد نبع الماء من بين أصابعه وانهمر ، إلى ما لا يعد ولا يحصى . فقد أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ ، أي : متلبسا بالحق ومبينا له ، بَشِيراً لمن صدقك واتبعك بالنعيم المقيم ، و نَذِيراً لمن خالفك بعذاب الجحيم . فلا تسأل عن حالهم إذا أفضوا إليه ، فإنه أعظم من أن يذكر ، وأفظع من أن يسمع ، إذ لا يمكن تفسير حالهم ، ولا يستطيع أحد سماع أهوالهم ، فالله يعصمنا من موارد الردى ، ويوفقنا لاتباع الحق والهدى ، أو لا يسألك ربك عنهم فهو أعلم بحالهم ، وبالله التوفيق . الإشارة : طلب الكرامات وظهور الآيات من طبع أهل الجهل والعناد ، وليس هو من شيم أهل الهداية والاسترشاد . فالطريق واضح لمن طلب السبيل ، والحق لائح لمن أبصر الدليل ، فمن كحل عين بصيرته بإثمد التوحيد الخاص ، لم يقع بصره إلا على الحق ، ولا يعرف إلا إياه ، ورأى الأشياء كلها قائمة بالله ، بل لا وجود لها مع الله ، ومن فتح الله سمع قلبه لم يسمع إلا من الحق ، ولا يسمع إلا به ، كما قال القائل : أنا بالله أنطق ومن الله أسمع . وقال الجنيد رضي اللّه عنه : ( لي أربعون سنة أناجى الحق ، والناس يرون أنى أناجى الخلق ) . فالخلق محذوفون عند أهل العلم بالتحقيق ، مثبتون عند أهل الجهل والتفريق . يقولون : لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ، مع أنه يكلمهم في كل